الشوكاني

335

فتح القدير

قوله ( لا أقسم بيوم القيامة ) قال أبو عبيدة وجماعة من المفسرين : إن لا زائدة ، والتقدير : أقسم . قال السمرقندي : أجمع المفسرون أن معنى لا أقسم : أقسم ، واختلفوا في تفسير لا ، فقال : بعضهم : هي زائدة ، وزيادتها جارية في كلام العرب كما في قوله - ما منعك ألا تسجد - يعني أن تسجد ، و - لئلا يعلم أهل الكتاب - ومن هذا قول الشاعر : تذكرت ليلى فاعترتني صبابة * وكاد صميم القلب لا يتقطع وقال بعضهم : هي رد لكلامهم حيث أنكروا البعث كأنه قال : ليس الأمر كما ذكرتم أقسم بيوم القيامة ، وهذا قول الفراء وكثير من النحويين ، كقول القائل لا والله ، فلا رد لكلام قد تقدمها ، ومنه قول الشاعر : فلا وأبيك ابنه العامري * لا يدعى القوم أنى أفر وقيل هي للنفي ، لكن لا لنفي الإقسام ، بل لنفي ما ينبئ عنه من إعظام المقسم به وتفخيمه ، كان معنى لا أقسم بكذا : لا أعظمه بإقسامي به حق إعظامه ، فإنه حقيق بأكثر من ذلك . وقيل إنها لنفي الإقسام لوضوح الأمر ، وقد تقدم الكلام على هذا في تفسير قوله - فلا أقسم بمواقع النجوم - وقرأ الحسن وابن كثير في رواية عنه والزهري وابن هرمز " لأقسم " بدون ألف على أن اللام لام الابتداء ، والقول الأول هو أرجح هذه الأقوال ، وقد اعترض عليه الرازي بما لا يقدح في قوته ولا يفت في عضد رجحانه ، وإقسامه سبحانه بيوم القيامة لتعظيمه وتفخيمه ، ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته ( ولا أقسم بالنفس اللوامة ) ذهب قوم إلى أنه سبحانه أقسم بالنفس اللوامة كما أقسم بيوم القيامة ، فيكون الكلام في لا هذه كالكلام في الأولى ، وهذا قول الجمهور . وقال الحسن : أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة . قال الثعلبي : والصحيح أنه أقسم بهما جميعا ، ومعنى النفس اللوامة : النفس التي تلوم صاحبها على تقصيره ، أو تلوم جميع النفوس على تقصيرها . قال الحسن : هي والله نفس المؤمن ، لا يرى المؤمن إلا يلوم نفسه ما أردت بكذا ما أردت بكذا ، والفاجر لا يعاتب نفسه . قال مجاهد : هي التي تلوم على ما فات وتندم ، فتلوم نفسها على الشر لم تعمله ؟ وعلى الخير لم لم تستكثر منه ؟ قال الفراء : ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها ، وإن كانت عملت خيرا قالت : هلا ازددت ، وإن كانت عملت سوءا قالت : ليتني لم أفعل . وعلى هذا فالكلام خارج مخرج المدح للنفس ، فيكون الإقسام بها حسنا سائغا . وقيل اللوامة هي الملومة المذمومة ، فهي صفة ذم ، وبهذا احتج من نفي أن يكون قسما ، إذ ليس لنفس العاصي خطر يقسم به . قال مقاتل : هي نفس الكافر يلوم نفسه ويتحسر في الآخرة على ما فرط في جنب الله ، والأول أولى ( أيحسب